مجد الدين ابن الأثير
408
المختار من مناقب الأخيار
( 59 ) أسلم بن زيد الجهنيّ « * » من عباد الإسكندرية . قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه : لقيت رجلا بالإسكندرية يقال له أسلم ابن زيد الجهني فقال : من أنت يا غلام ؟ قلت : شابّ من أهل خراسان ، قال : ما حملك على الخروج من الدنيا ؟ قلت : زهدا فيها ورجاء ثواب اللّه تعالى . فقال : إنّ العبد لا يتمّ رجاؤه لثواب اللّه حتى يحمل نفسه على الصّبر . فقال له رجل ممّن كان معه : وأيّ شيء الصبر ؟ قال : إنّ أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس . قال : قلت : ثم مه ؟ قال : إذا كان محتملا للمكاره أورث اللّه قلبه نورا . قلت : فما ذا النور ؟ قال : سراج يكون في قلبه يفرّق به بين الحقّ والباطل ، والناسخ والمتشابه . ثم قال : يا غلام ! إياك إذا صحبت الأخيار وجاريت « 1 » الأبرار أن تغضبهم عليك ، لأنّ اللّه تعالى يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم ، وذلك أن الحكماء هم العلماء ، وهم الراضون عن اللّه إذا سخط الناس ؛ يا غلام ! احفظ عني واعقل واحتمل ولا تعجل ، إيّاك والبخل . قلت : وما البخل ؟ قال : أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل ضنينا بماله ، وأما عند أهل الآخرة فهو الذي يضنّ بنفسه عن اللّه تعالى ، ألا وإنّ العبد إذا جاد بنفسه للّه أورث اللّه قلبه الهدى والتقى ، وأعطي السكينة
--> ( * ) في طبقات الصوفية ص 32 : « أسلم بن يزيد الجهني » وفي الحاشية في أربع نسخ منه : « زيد » كما هنا والخبر فيه ، وفي صفة الصفوة 4 / 333 . وترجمته أيضا في الكواكب الدرية 1 / 79 . ( 1 ) في طبقات الصوفية : « أو حادثت الأبرار » .